اسماعيل بن محمد القونوي
119
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( لست ملكا ولا جنيا ) إشارة إلى أن المنفي في القصر الملكية والجنية . قوله : ( لا يمكنكم التلقي منه ) إشارة إلى أنه تلويح إلى الجواب عن قولهم قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أي لست ملكا أو جنيا حتى لا يمكنكم التلقي منه لعدم المجانسة والمناسبة بل أنا بشر مثلكم يمكنكم التلقي للمجانسة والمناسبة التي هي شرط في التضام قوله ولا أدعوكم الخ رد لقولهم ومن بيننا وبينك الخ مع ملاحظة قوله لست ملكا الخ أي لست ملكا ولا جنيا حتى لا تصلوا إلينا . قوله : ( ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والأسماع ) جواب عن قولهم : قُلُوبُنا فِي قوله : لست ملكا ولا جنيا قال صاحب الكشاف فإن قلت من أين كان قوله : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ جوابا لقولهم : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [ فصلت : 5 ] قلت من حيث قال لهم إني لست بملك وإنما أنا بشر وقد أوحي إلي دونكم فصحت بالوحي وأنا بشر نبوتي وإذا صحت نبوتي وجب عليكم اتباعي وفيما يوحى إلي أن الهكم إله واحد فاستقيموا إليه قال صاحب الفرائد لزم أن يكون هذا جوابا لقولهم إذ قولهم لا يقتضي أن يكون له جوابا وإنما يشعر هذا بأن قيل له صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لا تتركهم بما ذكروا إنا لا نسمع ما تذكر ومرادهم بما قالوا أن يتركهم وما يدينون وما يفعلون سلمنا أنه جواب لكن المراد فيه إني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الأذن ولكن أوحي إلي وأمرت بتبليغ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ فصلت : 6 ] هذا ينظر إلى قول الإمام كأنه قيل إني لأقدر أن أحملكم على الإيمان جبرا وقهرا فإني بشر مثلكم ولا امتياز بيني وبينكم إلا أني مخبر أن اللّه تعالى أوحى إلي فإني أبلغ هذا الوحي إليكم إن شرفكم اللّه تعالى بالتوفيق قبلتموه وإن خذلكم بالحرمان رددتموه وذلك لا يتعلق بنبوتي ورسالتي وفسر صاحب الانتصاف كلام صاحب الكشاف بأن قال إنما كان قوله : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ فصلت : 6 ] جوابا لما سبق لأنهم لما أبوا القبول منه كل الإباء قال إنما أنا بشر لا قدرة لي على إظهار المعجزات بل القدرة عليها مختصة باللّه تعالى تصديقا لي ثم عقبه بما يتم المقصود وهو التوحيد وأدرج تحت الاستقامة جميع تفاصيل الشرع وتممه بإنذارهم على ترك القبول بالويل وقدر بعضهم كأنه قال لا نصغي إلى قولك ولا نرعوي إليه فقال النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إذا صحت نبوتي وجب عليكم الارعواء والإصغاء إلى قولي وقال الطيبي كيف ما كانت فالجواب من الأسلوب الحكيم والمطابقة بين الجواب والسؤال إنما تظهر إذا نظر إلى الجانبين وإلى معنى التركيب وما يقتضيه به من المعنى بحسب المقام فنقول لفظة إنما من أدوات الحصر ومعنى التركيب هنا ما أنا إلا بشر يوحى إلي وإنما يستقيم هذا إذا قيل له فيما تدعيه من الوحي والرسالة كمدعي ما يوجب الخروج من البشرية والدخول في الملكية لأن الرسالة منافية للبشرية وأنها من مناصب الملائكة وكتاب اللّه مملوء من هذا الرد وهذا المعنى إنما يعطيه معنى قولهم ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون على إرادة أنك فيما تدعيه من الرسالة وإثبات التوحيد ونحن فيما نعتقد من أن البشرية منافية للرسالة في حاجز منيع وحجاب ساتر كما مر وتمام التقرير أنه صلوات اللّه عليه وسلامه حين يحدثهم بقوله : حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ كأنه قال إني رسول اللّه إليكم ومعجزتي هذا الكتاب الفارق بين الحق والباطل والكاذب والصادق وأنه نازل بلسانكم وأنتم زعماء الحوار وأرباب البيان تعلمون أنه كذلك لما عجزتم عن الاتيان بمثله